إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام .. إذا احتلت إسرائيل جنوبي سأخلع ردائي وأصبح أول فدائي .. علينا الصمود لدرء الخطر الخارجي بتكوين مجتمع جد بالقضاء على الفساد الداخلي وبصهر اللبنانيين في بوتقة وطنية صادقة .. دعوا طفل الجنوب يعلم العرب كيفية الصمود .. القدس هي مهبط الرسالة ومعراج الأنبياء ..

 

سيرة سماحة الإمام القائد السيد موسى الصدر

 

أولاً: نسبه

الامام السيد موسى الصدر هو ابن السيد صدر الدين ابن السيد اسماعيل ابن السيد صدر الدين ابن السيد صالح شرف الدين، من جبل عامل في جنوب لبنان.

ولد السيد صالح شرف الدين في قرية شحور ( قضاء صور- جنوب لبنان) سنة 1122هـ. وأقام فيها ، وكان عالماً دينياً جليلاً، وكان يملك مزرعة اسمها (شدغيت) بالقرب من قرية معركة (قضاء صور)، وفي هذه المزرعة ولد ابنه السيد صدر الدين.

تعرض السيد صالح شرف الدين لاضطهاد أحمد الجزّار، في إطار حملة الجزار الشاملة باضطهاد العلماء المسلمين الشيعة في جبل عامل، فأقدم جنود الجزار على قتل ابنه الاكبر السيد هبة الدين، وكان في الحادية والعشرين من عمره، أمام بيت والده في قرية شحور وبحضوره، ثم اعتقلوا السيد صالح وبقي تسعة أشهر في معتقله في عكا إلى أن تمكن من الفرار إلى العراق حيث أقام في النجف الأشرف.

تبع السيد صالح إلى النجف الاشرف أخوه السيد محمد الذي ألحق به زوجته وولديه السيد صدر الدين والسيد محمد علي.

صار السيد صدر الدين ابن السيد صالح من جهابذة علماء الدين وتزوج ابنة المجتهد الاكبر الشيخ كاشف الغطاء، ثم نزح إلى أصفهان في ايران، وأنجب خمسة علماء دين أصغرهم  السيد اسماعيل الذي ترك أصفهان وأقام في النجف الأشرف وعرف باسم السيد الصدر وانعقدت له المرجعية العامة للشيعة إلى أن توفي سنة 1338هـ. تاركاً أربعة أولاد صاروا علماء دين، أولهم السيد محمد مهدي الذي صار أحد مراجع الدين الكبار في الكاظمية قرب بغداد وشارك في الثورة العراقية ( ابن عمه السيد محمد الصدر تولى رئاسة الوزارة في العراق وكان أحد قادة الثورة العراقية الكبار وشملت قيادته منطقتي سامراء والدجيل)، وثانيهم السيد صدر الدين ( والد الامام السيد موسى الصدر) قاد في شبابه حركة دينية تقدمية وارتبط اسمه بالنهضة الادبية العراقية ثم هاجر إلى ايران واستوطن خراسان وتزوج من السيدة صفية ( والدة الامام السيد موسى الصدر) كريمة السيد حسين القمي المرجع الديني للشيعة ، واستدعاه المرجع العام الشيخ عبد الكريم اليزدى ليقيم معه في (قم) معاوناً له في إدارة الحوزة الدينية ، وصار أحد أركان هذه الحوزة الكبار ومرجعاً معروفاً، وأنشأ مؤسسات علمية ودينية واجتماعية وصحية ، وتوفي سنة 1954م.

 

ثانياً: نشأته وعلومه

ولد الامام السيد موسى الصدر في 15 نيسان 1928م في مدينة "قم" في ايران حيث تلقى في مدارسها الحديثه علومه الابتدائية والثانوية، كما تلقى دراسات دينية في كلية "قم" للفقه.

تابع دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة طهران ، وكانت عمّته أول عمامة تدخل حرم هذه الجامعة، وحاز الأجازة في الاقتصاد.

أتقن اللغتين العربية والفارسية، وألّم باللغتين الفرنسية والانكليزية.

صار أستاذاً محاضراً في الفقه والمنطق في جامعة "قم" الدينية.

أنشأ في "قم" مجلة باسم "مكتب إسلام" أي المدرسة الاسلامية، امتيازها باسمه، وأدارها سنوات، وصارت أكبر مجلة دينية في ايران.

انتقل في سنة 1954 إلى العراق ، وبقي في النجف الأشرف أربع سنوات يحضر فيها دروس المراجع الدينية الكبرى: السيد محسن الحكيم، الشيخ محمد رضا آل ياسين والسيد ابو القاسم الخوئي، في الفقه والأصول.

تزوج سنة 1955 ورزق أربعة أولاد: صبيان وبنتان.

 

ثالثاً: كتاباته ومحاضراته

 -1 مؤلفات: جمعت بعض محاضراته وأبحاثه في كتابين

       أ- منبر ومحراب..

      ب- الاسلام عقيدة راسخة ومنهج حياة ..

 

وقد بدأ مركز الإمام الصدر للأبحاث والدراسات بجمع كتابات ومقالات الإمام ونشرها تباعاً منذ 1995 وقد صدر حتى الآن الكتب التالية:

 

- الاسلام وثقافة القرن العشرين

- الاسلام والتفاوت الطبقي

- حوارات صحفية (1) : تأسيساً لمجتمع مقاوم

- حوارات صحفية (2)  : الوحدة والتحرير

- معالم التربية القرآنية "دراسات للحياة"

- معالم التربية القرآنية "احاديث السحر"

- المذهب الاقتصادي في الإسلام

- أبجدية الحوار

 

كما أصدر المركز عشرات المقالات المطبوعة في كتيبات منها:

- حوار تصادمي

- الاسلام وكرامة الانسان

- الدين وحركات التحرر

- العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الاسلام

- القضية الفلسطينية وأطماع اسرائيل في لبنان

- تقرير الى المحرومين

- رعاية الاسلام للقيم والمعاني الانسانية

- الجانب الاجتماعي في الاسلام

- الاسلام، الاصالة- الروحية- التطور

 

 -2 كتب الإمام مقدمات مطولة للمؤلفات التالية:

   - كتاب "تاريخ الفلسفة الاسلامية" للبروفسور الفرنسي هنري كوربان،1966.

   - كتاب "القرآن الكريم والعلوم الطبيعية" للمهندس يوسف مروة،1967 .

  - كتاب "فاطمة الزهراء" للأديب الجزائري سليمان الكتاني. وهذا الكتاب نال جائزة أحسن كتاب عن فاطمة الزهراء، 1968.

- كتاب "ثمن الجنوب" لمؤلفة جان نانو.

-كتاب "حديث الغدير" لآية الله السيد مرتضى خسروشاهي 1978 .

- كتاب "تاريخ جباع" للاستاذ علي مروة.

 

  -3 محاضرات:

          ألقى مئات المحاضرات في الجامعات والمعاهد العلمية اللبنانية وفي الندوة اللبنانية وفي المؤسسات والمراكز الدينية والثقافية والاجتماعية  الاسلامية والمسيحية وفي مؤتمرات البحوث الاسلامية  في مصر (الازهر) مكة المكرمة،الجزائر والمغرب وفي اوروبا (المانيا وفرنسا) والاتحاد السوفياتي .

محاضراته في مواضيع مختلفة: دينية، تربوية، ثقافية، اجتماعية، وطنية، قومية وانسانية. ولا يزال معظمها غير منشور حتى الآن.

 

رابعاً: قدومه إلى لبنان

قدم الإمام السيد موسى الصدر إلى لبنان- أرض أجداده - أول مرة سنة 1955، فتعرف إلى أنسبائه في صور وشحور ، وحلّ ضيفاً في دار كبيرهم حجة الاسلام المرجع الديني السيد عبد الحسين شرف الدين الذي تعرف إلى مواهب الإمام الصدر ومزاياه ، وصار يتحدث عنه في مجالسه بما يوحي بجدارته لأن يخلفه في مركزه بعد وفاته.

فبعد أن توفي حجة الاسلام السيد عبد الحسين شرف الدين بتاريخ 30/12/1957، كتبت"صور" رسالة إلى الإمام الصدر في "قم" تدعوه إليها. ولفته المرجع السيد البروجردي إلى ضرورة تلبية الدعوة.

وهكذا قدم الإمام الصدر إلى لبنان في أواخر سنة 1959 وأقام في مدينة صور.

 

خامساً: نشاطاته قبل إنشاء المجلس الإسلامي الشعي الأعلى

بدأ الامام الصدر الرعاية الدينية والخدمة العامة في صور، موسعاً نطاق الدعوة والعمل الديني بالمحاضرات والندوات والاجتماعات والزيارات ، ومتجاوزاً سلوك الاكتفاء بالوعظ الديني إلى الاهتمام بشؤون المجتمع. وتحرّك في مختلف قرى جبل عامل ثم في قرى منطقة بعلبك- الهرمل، يعيش حياة سكانها ومعاناتهم من التخلف والحرمان. ثم تجوّل في باقي المناطق اللبنانية، متعرفاً على أحوالها ومحاضراً فيها ومنشئاً علاقات مع الناس من مختلف فئات المجتمع اللبناني وطوائفه، وداعياً إلى نبذ التفرقة الطائفية باعتبار أن وظيفة الدين هي الاستقامة الاخلاقية و"أن الأديان واحدة في البدء والهدف والمصير " (راجع خطبته في كنيسة الكبوشية، أبجدية الحوار) وداعياً أيضاً إلى نبذ المشاعر العنصرية وإلى تفاعل الحضارات الإنسانية وإلى مكافحة الآفات الاجتماعية والفساد والالحاد.

          وفي مدينة صور، نجح في القضاء على التسوّل والتشرّد ، وفي شدّ أواصر الأخوة بين المواطنين من مختلف الطوائف.

          وشارك في " الحركة الاجتماعية " مع المطران غريغوار حداد في عشرات المشاريع الاجتماعية. وساهم في العديد من الجمعيات الخيرية والثقافية. وأعاد تنظيم "جمعية البر والاحسان" في صور وتولى نظارتها العامة، وجمع لها تبرعات ومساعدات أنشأ بها مؤسسة اجتماعية لايواء وتعليم الايتام وذوي الحالات الاجتماعية الصعبة ثم أنشأ مدرسة فنية عالية باسم "مدرسة جبل عامل المهنية" وأنشأ مدرسة فنية عالية للتمريض وكذلك مدرسة داخلية خاصة للبنات باسم "بيت الفتاة" . كما أنشأ في صور "معهد الدراسات الاسلامية".

سافر الإمام الصدر إلى عدة بلدان عربية وإسلامية وإفريقية وأوروبية ، مساهماً في المؤتمرات الاسلامية ، ومحاضراً، ومتفقداً أحوال الجاليات اللبنانية والاسلامية ، ودارساً معالم الحياة الاوربية  (راجع حول رحلاته كتاب" حوارات صحفية" الجزء الاول- تأسيساً لمجتمع مقاوم) ، ومتصلاً بذوي الفعاليات والنشاطات الإنسانية والاجتماعية والثقافية.

وبعد أن وقف على أحوال الطائفة الاسلامية الشيعية ومناطقها ومؤسساتها في لبنان ، ظهرت له الحاجة إلى تنظيم شؤون هذه الطائفة، باعتبار أن لبنان يعتمد نظام الطوائف الدينية وأن لكل من الطوائف الاخرى تنظيماً يختص بها، وكان قد أنشئ بالمرسوم الاشتراعي رقم 18 تاريخ 13/1/1955 تنظيم خاص بالطائفة الاسلامية السنية يعلن استقلالها، وأنشئ بعده بالقانون الصادر بتاريخ 7/12/62 تنظيم خاص بالطائفة الدرزية ، بحيث بقيت الطائفة الإسلامية الشيعية وحدها دون تنظيم.

فأخذ يدعو إلى إنشاء مجلس يرعى شؤون هذه الطائفة أسوة بالطوائف الأخرى ، ولقيت دعوته معارضة من بعض الزعماء السياسيين في الطائفة ومن بعض القوى خارجها. واستمر متابعاً هذه الدعوة سنوات، وفي مؤتمر صحفي عقده في بيروت بتاريخ 15/8/66 عرض آلام الطائفة ومظاهر حرمانها، بشكل علمي مدروس ومبني على إحصاءات، وبيّن الأسباب الموجبة للمطالبة بإنشاء هذا المجلس ، وأعلن أن هذا المطلب أصبح مطلباً جماهيرياً تتعلق به آمال الطائفة.

وأتت الدعوة نتائجها بإجماع نواب الطائفة الاسلامية الشيعية على تقديم اقتراح قانون بالتنظيم المنشود، أقره مجلس النواب بالاجماع في جلسة 16/5/67، وصدقه رئيس الجمهورية بتاريخ 19/12/1967، وبمقتضاه أُنشئ "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" ليتولى شؤون الطائفة ويدافع عن حقوقها ويحافظ على مصالحها ويسهر على مؤسساتها ويعمل على رفع مستواها. ونص القانون المذكور على أن يكون لهذا المجلس رئيس يمثله ويمثل الطائفة ويتمتع بذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يتمتع بها رؤساء الأديان.

 

سادساً: نشاطاته بعد توليه رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

1- انتخابه وولايته:

بتاريخ 69/5/23 انتخب الإمام السيد موسى الصدر أول رئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

وكانت ولاية الرئيس محددة في قانون إنشاء المجلس، بست سنوات.

ونظراً لكون ولاية رؤساء الطوائف الأخرى تمتد مدى الحياة، فلقد جرى تعديل مدة ولاية رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بحيث أصبحت لغاية إتمامه الخامسة والستين من العمر. وتم هذا التعديل وفقاً للأصول بعد موافقة الهيئة العام للمجلس بالاجماع بتاريخ 29/3/75.

 

2- برنامجه

أعلن برنامج عمله لتحقيق أهداف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ، في خطاب ألقاه يوم انتخابه، وفي كلمته الترحيبية برئيس الجمهورية اللبنانية عندما قدم لتهنئته بتاريخ 29/5/69، وفي البيان الأول الذي أصدره بتاريخ 10/6/69.

تضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية الآتية:

- تنظيم شؤون الطائفة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.

- القيام بدور إسلامي كامل، فكراً وعملاً وجهاداً.

- عدم التفرقة بين المسلمين، والسعي للتوحيد الكامل.

- التعاون مع الطوائف اللبنانية كافة، وحفظ وحدة لبنان.

- ممارسة المسؤوليات الوطنية والقومية، والحفاظ على استقلال لبنان وحريته وسلامة أراضيه.

- محاربة الجهل والفقر والتخلف والظلم الاجتماعي والفساد الخلقي.

- دعم المقاومة الفلسطينية والمشاركة الفعلية مع الدول العربية الشقيقة لتحرير الأراضي المغتصبة.

 

3- سعيه لحماية جنوب لبنان وصمود أهله

صادفت الأشهر الأولى من بداية ولاية الإمام الصدر، اعتداءات اسرائيلية على منطقة الحدود الجنوبية ، فقاد حملة مطالبة السلطات اللبنانية بتحصين قرى الحدود وتسليح أبناء الجنوب وتدريبهم للدفاع ووضع قانون خدمة العلم وتنفيذ مشاريع إنمائية في المنطقة، وذلك إلى جانب قيامه بحملة توعية حول الأخطار التي تهدد الجنوب مع دعوة المواطنين لعدم النزوح من قراهم الحدودية ولمجابهة الاعتداءات الاسرائيلية.

وتحت ضغط هذه الحملة ، اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بتاريخ 12/1/70 بوضع خطة عامة لتعزيز أوضاع منطقة الحدود الجنوبية.

 

4- تحركه الشعبي لانقاذ الجنوب: إنشاء مجلس الجنوب

تابع الإمام الصدر ، بمحاضراته في المناطق اللبنانية كافة، يطرح وضع جنوب لبنان على المستوى الوطني العام، معبئاً المجتمع اللبناني بأسره ليتحرك باتجاه إنقاذ الجنوب.

وعلى أثر العدوان الإسرائيلي بتاريخ 12/5/70 على القرى الحدودية الجنوبية الذي ألحق خسائر جسيمة بأرواح المواطنين الأبرياء وممتلكاتهم ، وتسبّب بنزوح أكثر من خمسين ألف مواطن من ثلاثين قرية حدودية، بادر الإمام الصدر بتاريخ 13/5/1970 إلى دعوة الرؤساء الدينيين في الجنوب، من مختلف الطوائف، فأسس معهم "هيئة نصرة الجنوب" التي أولته رئاستها وأولت نيابة الرئاسة للمطران انطونيوس خريش ( الذي أصبح فيما بعد بطريركاً للطائفة المارونية)، وتبنت هذه الهيئة مطالب الإمام الصدر من أجل حماية الجنوب وتنميته.

ثم دعا الإمام الصدر إلى إضراب وطني سلمي شامل لمدة يوم واحد من أجل الجنوب، وتجاوب كل لبنان مع هذه الدعوة، ونُفذ الاضراب الشامل بتاريخ 26/5/1970، واعتبر حدثاً وطنياً كبيراً.

واجتمع مجلس النواب في مساء اليوم ذاته، فأقر تحت ضغط التعبئة العامة ، مشروع قانون وضع أفكاره الإمام الصدر يقضي بإنشاء مؤسسة عامة تختص بالجنوب، مهتمها "تلبية حاجات منطقة الجنوب وتوفير أسباب السلامة والطمأنينة لها". وصدر هذا القانون بتاريخ 2/6/1970، وسنداً له أنشئ "مجلس الجنوب" وربط برئاسة مجلس الوزراء، وتأمنت لهذا المجلس واردات بلغ مجموعها لغاية منتصف سنة 1980 أكثر من مائتي مليون ليرة لبنانية خصصت لتعزيز صمود الجنوبيين وللتعويض عن أضرار الاعتداءات الإسرائيلية وللإنفاق على مشاريع وخدمات عامة في الجنوب.

 

5- حركته من أجل المحرومين:

          مع استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على جنوب لبنان في سنة 1971وما يليها ، استمر الامام الصدر حاملاً لواء الدفاع عن هذه المنطقة ومعلناً أن انهيارها يعني انهيار لبنان ، ومؤكداً مطالبته بالتجنيد الاجباري  وتعميم الملاجيء وتحصين القرى وتأمين وسائل الدفاع الحديثة.

          إلى جانب مطالبته هذه ، قاد الامام الصدر حملة مطالبة السلطة اللبنانية بتنمية المناطق المحرومة وإلغاء التمييز الطائفي وإنصاف الطائفة الإسلامية الشيعية في المناصب الوزارية والوظائف العامة وموازنات المشاريع الانمائية.

أنكر العهد الجمهوري الجديد في لبنان ( عهد الرئيس فرنجية الذي بدأ في أيلول 1970) على المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ورئيسه حقهما القانوني في تعاطي الشؤون العامة ، فتجاهلت الدولة هذه الحملة.

أعلن الإمام الصدر بتاريخ 2/2/1974 معارضته للحكام المسؤولين في لبنان "لأنهم يتجاهلون حقوق المحرومين وواجب تعمير المناطق المتخلفة ويهددون بسلوكهم أمن الوطن وكيانه".

صعد الإمام الصدر حملته من أجل المحرومين ، بمهرجانات شعبية عارمة كان أضخمها مهرجان بعلبك بتاريخ 17/3/74 ومهرجان صور بتاريخ 5/5/74 اللذين ضم كل منهما أكثر من مائة ألف مواطن أقسموا مع الإمام "على أن يتابعوا الحملة، وأن لا يهدأوا إلى أن لا يبقى محروم في لبنان أو منطقة محرومة".

وهكذا ولدت " حركة المحرومين" التي رسم مبادئها الإمام الصدر بقوله: " إن حركة المحرومين تنطلق من الإيمان الحقيقي بالله وبالإنسان وحريته الكاملة وكرامته. وهي ترفض الظلم الاجتماعي ونظام الطائفية السياسية. وتحارب بلا هوادة الاستبداد والاقطاع والتسلط وتصنيف المواطنين. وهي حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وبسلامة أرض الوطن، وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان".

اثر المهرجانات اهتمت قيادة الجيش اللبناني بالمطالب، فشكلت بتاريخ 20/6/74 لجاناً مشتركة من اختصاصيين في الجيش واختصاصيين انتدبهم الإمام الصدر ، لدراسة المطالب وعددها عشرون مطلباً، ولتحديد وسائل تنفيذها. ووضعت هذه اللجان تقارير عن بعض المطالب ، بقيت دون نتيجة. فتابع الإمام الصدر الحملة بنداء وجهة علماء الدين المسلمون الشيعة إلى السلطة بتاريخ 4/8/74" بتأييد حركة المطالبة والتحذير من مغبة الاستمرار في إهمال المطالب أو تمييعها..."، وباجتماعات عقدها مع شخصيات البلاد ورؤساء الطوائف والأحزاب، وبحوار مع نخبة من المفكرين اللبنانيين من مختلف الطوائف انتهى بوثيقة وقعها /190/ مفكراً بإقرار هذه المطالب. ثم دعا الإمام الصدر إلى اجتماع عقدته الهيئة العامة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 13/9/74 وهي تضم أكثر من ألف شخص هم علماء الدين للطائفة ونوابها وكبار موظفيها في الدولة ونخبة من أبنائها المجلين في مختلف النشاطات والفعاليات السياسية والاجتماعية والمهنية والاقتصادية والفكرية . فأقرت هذه الهيئة بالاجماع "التأييد المطلق للإمام الصدر  في جهاده الوطني من أجل المطالب، واستنكار موقف الدولة اللامبالي منها، وتفويضه باتخاذ كافة الخطوات في سبيل تحقيق هذه المطالب".

وحدث إثر ذلك أن استقالت الحكومة، وقامت حكومة جديدة تعهدت بموقف ايجابي من المطالب، إلا أنه لم ينقض على حكمها سوى أشهر قليلة، حتى قدمت استقالتها بتاريخ 15/5/57 تحت وطأة حادث مقتل النائب السابق معروف سعد وحادث اوتوبيس عين الرمانة اللذين كانا الشرارة لاندلاع الحرب اللبنانية فيما بعد، وأعلن رئيس تلك الحكومة (رشيد الصلح) في بيان تلاه بالتاريخ المذكور في مجلس النواب أسباب الاستقالة وهي تضمنت حسب نص البيان: "إن الامتيازات الطائفية التي تشكل أساس النظام السياسي اللبناني ... تحولت إلى عائق يمنع أي تقدم ... ويحول دون المساواة الحقيقية بين المواطنين بما يقضي على الحرمان ويرفع من مستوى المناطق المحرومة..."

 

6- دوره في إنشاء أفواج المقاومة اللبنانية " أمل".

في خطاب ألقاه الإمام الصدر بتاريخ 20/1/1975، بمناسبة ذكرى عاشوراء، دعا المواطنين اللبنانيين إلى تشكيل مقاومة لبنانية تتصدى للاعتداءات الإسرائيلية وللمؤامرات التي تدبرها اسرائيل لتشريد اللبنانيين من أرضهم  "لأن الدفاع عن الوطن ليس واجب السلطة وحدها، وإذا تخاذلت السلطة فهذا لا يلغي واجب الشعب في الدفاع".

وفي مؤتمر صحفي عقده الإمام الصدر بتاريخ 6/7/1975، أعلن ولادة أفواج المقاومة اللبنانية "أمل"، وقدمها بأنها " أزهار الفتوة والفداء ممن لبوا نداء الوطن الجريح الذي تستمر اسرائيل في الاعتداء عليه من كل جانب وبكل وسيلة". وأوضح أن شباب "أمل" هم الذين استجابوا لدعوته من أجل حماية الوطن وصيانة كرامة الأمة عندما وجه لهذه الغاية دعوته إلى اللبنانيين جميعاً بتاريخ 20/1/1975" في الايام التي بلغت الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب ذروتها ولم تقم السلطات المسؤولة بواجبها الدفاعي عن الوطن والمواطنين".

وبرهن شباب "أمل" على أرض جنوب لبنان، عن مواقف بطولية في عدة معارك مع العدو الإسرائيلي ( معركة الطيبة مثلاً) وسقط منهم شهداء في الهجمات الاسرائيلية المتكررة على الجنوب، وكان لهم فضل كبير في منع صهينة القطاع الحدودي وفي تثبيت المواطنين في قراهم الجنوبية.

 

7- إنجازاته في المشاريع وبتمليك عقارات للأوقاف:

في بدء ولايته، عمل الإمام الصدر علي تأمين مقر للمجلس الإسلامي الشيعي الاعلى في بناء لائق يتألف من أربعة طوابق ويقوم على عقار مساحته /6375/م مربع، ويحتوي على قاعات واسعة للاجتماعات العامة ، ويقع في محلة الحازمية بضاحية بيروت الشرقية الجنوبية، سجلت ملكية هذا العقار باسم أوقاف الطائفة الإسلامية الشيعية.

كما عمل على تمليك أوقاف الطائفة عقاراً ثانياً في ضاحية بيروت الغربية الجنوبية (محلة خلدة) مساحته /7904/م. مربع ويقوم عليه بناء مؤلف من سبع طوابق، أطلق عليه اسم "مدينة الزهراء الثقافية والمهنية" ، تستعمله مؤسسات الطائفة.

وأمن لمشاريع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الانتفاع من قطعة أرض مساحتها/15034/م مربع من مشاعات قرية الغبيري في ضاحية بيروت الغربية الجنوبية (محلة الجناح) ، أنشأ عليها " مستشفى الزهراء" التابع للمجلس.

وحقق شراء /190/ألف متر مربع من الأراضي في الوردانية ( طريق صيدا-بيروت) لتشييد مؤسسات اجتماعية وثقافية ومهنية عليه. وسجل ملكية هذه الأراضي باسم أوقاف الطائفة.

كما حقق لجمعية البر والاحسان في صور التي يتولى نظارتها العامة، وهي من مؤسسات الطائفة ذات المنفعة العامة، شراء /900/ ألف متر مربع في اللبوة -بعلبك، لإنشاء مدرسة فنية زراعية ومشاريع اخرى عليها.

وعمل على توسيع منشآت وتجهيزات جميعة البر والاحسان في صور، تحقيقا بتوسيع المؤسسات المهنية التابعة لها وإنشاء المدرسة الفنية العالية للتمريض التي استحدثها.

أقام مبرة الإمام الخوئي لرعاية أبناء الشهداء في برج البراجنة (ضاحية بيروت الجنوبية) وفي بعلبك والهرمل.

كما أقام مراكز صحية في برج البراجنة وحي السلم ( ضاحية بيروت الجنوبية) وفي صور، وأقام مدرسة للتعليم الديني في صور.

وقدرت قيمة هذه العقارات والمنشأت والتجهيزات آنذاك بأكثر من مائة مليون ليرة لبنانية.

سابعاً- موقفه من الحرب الداخلية في لبنان

فور انطلاق الشرارة الأولى لهذه الحرب بتاريخ 13/4/1975، بادر الإمام الصدر إلى بذل المساعي الحميدة والجهود لدى مختلف الفرقاء، لخنق الفتنة وتهدئة الوضع ، ووجه نداءاً عاماً نُشر بتاريخ 15/4/1975، حذر فيه من مؤامرات العدو ومخططات الفتنة، ودعا اللبنانيين " لحفظ وطنهم وفي قلبه مكان للثورة الفلسطينية" وناشد الثوار الفلسطينيين" لحفظ قضيتهم التي جعلت لها من قلب لبنان عرشها".

وبادر الإمام الصدر إلى دعوة عدد كبير من نخبة المفكرين وممثلي الفعاليات اللبنانية ، اجتمع منهم/77/شخصا في مركز المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 18/4/1975 وشكلوا من بينهم لجنة دعيت " لجنة التهدئة الوطنية" اجتمعت فوراً بممثل المقاومة الفلسطينية وباشرت مهمتها لتهدئة الاوضاع وتحديد أسباب المحنة ووضع الحلول الآنية والبعيدة المدى، مسترشدة بتوجيهات الإمام الصدر القاضية.

 بوجوب المحافظة على تعايش الطوائف اللبنانية.

 واعتماد الحوار والوسائل الديمقراطية سبيلا لتحقيق الاصلاحات السياسية والاجتماعية.

ورفض القهر الطائفي.

 ووجوب المحافظة على التعايش اللبناني – الفلسطيني.

 وصيانة الثورة الفلسطيني.

ولما استمر القتال ، واستقالت الحكومة بتاريخ 26/5/75، وظهرت صعوبات في وجه قيام حكومة جديدة الأمر الذي هدد بخطر انقسام الوطن، أعتصم الإمام  الصدر بتاريخ 27/6/75 في مسجد الصفا (الكلية العاملية) ببيروت، متعبدا وصائماً، وأعلن: "نعتصم لنفرض على المواطنين الاعتصام عن السلاح الذي يستعمل ضد اللبنانيين والأخوان ... إننا نريد أن نخنق صفحة العنف بصفحة العبادة والاعتصام والصيام ... فالسلاح لا يحل الأزمة بل يزيد في تمزيق الوطن. " وطالب بالاسراع في ايجاد حكومة وطنية تعيد السلام وتقيم المصالحة الوطنية على أسس واضحة يعاد بناء الوطن عليها وتلبي مطالب المحرومين. ولقيت خطوته تأييداً شاملاً في الاوساط الدينية لدى مختلف الطوائف والاوساط الشعبية والسياسية . وتألفت حكومة جديدة بتاريخ 1/7/1975 فأنهى اعتصامه بعد أن تلقى وعداً بتبني المطالب المطروحة والعمل على تنفيذها. وسارع إلى منطقة بعلبك -الهرمل ليعمل على فك الحصار عن قرية "القاع" المسيحية وتهدئة الاوضاع في المنطقة.

كانت نظرة الإمام الصدر إلى الحرب اللبنانية منذ بدايتها، حسب قولة في جلسة عقدها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 13/9/1975:"ان انفجار الوضع اليوم يؤدي إلى سقوط لبنان وتحجيم المقاومة الفلسطينية وإلحاق الضرر الكبير بسوريا وبالقضية العربية، وهو لمصلحة العدو الإسرائيلي ". ولذا ألح منذ البدء في الدعوة إلى المصالحة الوطنية على أسس جديدة للوطن تحقق العدالة الاجتماعية ومعالجة الحرمان، وتصون جنوب لبنان". وكانت مطالبته بالأسس الجديدة للوطن منطلقة من نظرة عبر عنها في الجلسة المشار اليها بقول:" لم يتفق اللبنانيون منذ الاستقلال وعند إقرار تأسيس لبنان الكبير، على المبادئ الوطنية الأساسية، فاجتنبوا البحث فيها خوفاً من الانقسام، وعرضوا عن ذلك بالمجاملات واستعمال الكلمات ذات المعاني المتعددة ، وباختيار الحلول لمشاكلهم، حتى كاد أن لا نحس بوحدة الشعب اللبناني".

دعا الإمام الصدر لاقامة حوار وطني مهد له بمبادرته التي حققت بتاريخ 4/10/75 عقد مؤتمر قمة للرؤساء الدينيين لمختلف الطوائف اللبنانية ، نتج عنه:

 التأكيد على وجوب استمرار تعايش الطوائف في لبنان ،

 والدعوة إلى الحوار ووقف القتال،

 وتبنى مطلب تحقيق العدالة الاجتماعية،

إنصاف المحرومين

والتمسك بالسيادة الوطنية

ورفض التقسيم

ودعم القضية الفلسطينية.

بتاريخ 27/11/75 أعلن الإمام الصدر ورقة للحوار الوطني، متضمنة مقترحات محددة للاصلاحات المنشودة في شتى الحقول. وعندما نادى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بتاريخ 30/11/75 بالمصالحة الوطنية ، سارع إلى التأييد.

ولما وقعت مجزرة السبت الأسود بتاريخ 6/12/75 وقُتل فيها حوالي مائتي شخص من أبناء الطائفة الاسلامية الشيعية من العمال الأبرياء فيما كانوا بأعمالهم في منطقة مرفأ بيروت، وأُحرقت بتاريخ 11/12/75 وبعده مساكن المسلمين واعتدي عليهم وهجروا من حارة الغوارنة وسبنيه ورويسات الجديدة وعين بياقوت والزلقا الواقعة ضمن مناطق ذات أكثرية مسيحية، وظهرت بوادر للتدخل الاسرائيلي في لبنان مع إقدام اسرائيل على إزالة الشريط الحدودي في بعض المواقع ودخول جيشها الأراضي اللبنانية وقيام طيرانها بتاريخ 2/12/75 بالقصف الجوي الواسع الذي أدى إلى تقديم لبنان شكوى أمام مجلس الأمن، في هذه الظروف أعلن الإمام الصدر في خطبة له في صور بتاريخ 21/12/75 أن ملامح تقسيم الوطن قد برزت، وحذر من مخاطر إقامة اسرائيل جديدة في لبنان وتصفية القضية الفلسطينية والاعتداء الاسرائيلي على الجنوب، ودعا  للتدريب وحمل السلاح دفاعاً عن النفوس والوطن ومنعاً للتقسيم، وشدد على وجوب حماية الأقليات من الطوائف الأخرى المقيمة في مناطق إسلامية ، محذراً من الاعتداء والانتقام من الأبرياء، إلى جانب ذلك استمر يوجه النداءات لوقف القتال وإعادة النظام والسيادة الوطنية وللعودة إلى الحوار والتلاقي.

شارك الإمام الصدر في اجتماعات القمة الإسلامية التي تكونت من رؤساء الطوائف الإسلامية ورئيس الوزراء وبعض كبار الشخصيات الاسلامية السياسية، والتي رفضت الحكومة العسكرية المعينة بتاريخ 23/5/75، ورحبت بالمبادرة السورية التي أدت إلى " الوثيقة الدستورية" التي أعلنها رئيس الجمهورية اللبنانية بتاريخ 14/2/1976.

اعتبر " الوثيقة الدستورية" مدخلا للسلام النهائي في لبنان وأرضية للوفاق الوطني، وأن كل تعديل لها يجب أن يتم بالطرق الديمقراطية والحوار الهادىء في المستقبل، وعلى هذا الأساس استمر بتأييد الوساطة السورية الرامية إلى إنهاء الحرب وإجراء مصالحة وطنية ، وشجب بشدة استئناف القتال في أواخر آذار 1976 وتوسيع رقعته في الجبال.

بذل جهوداً لإزالة سوء التفاهم بين المقاومة الفلسطينية وبين سورية ، وتحمل لهذه الغاية مخاطر الانتقال مراراً إبان المعارك بين بيروت ودمشق، وأمن اللقاء بين الرئيس الاسد ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ، بحضوره وإسهامه في إنجاح المحادثات، بتاريخ 6/5/76، الأمر الذي أسهم في تأمين انعقاد مجلس النواب اللبناني بتاريخ 8/5/76 حيث تم انتخاب رئيس الجمهورية الجديد وتحقق بذلك استمرار السلطة الشرعية اللبنانية. واستأنف هذه الجهود خلال شهري حزيران وتموز 1976 عندما اهتزت العلاقات مجددا بين الطرفين.

عارض الإمام الصدر بشدة أعمال الجبهتين المتحاربتين في لبنان، في إنشاء "إدارات محلية" تابعة لهما، بديلة عن الادارات الرسمية ، وندد بهذه الاعمال في بيانه بتاريخ 27/4/76، معتبراً هذه الاعمال أنها تمهيد لتقسيم الوطن وناعتاً القائمين بها أنهم انفصاليون . وانتقل إلى بعلبك بتاريخ 23/7/76 يعمل على إحياء الادارات الرسمية في محافظة البقاع، ولبى المحافظ دعوته ابتداء من تاريخ 7/8/76 حيث عاد إلى مزاولة وظيفته وأعيد سير دوائر المحافظة.

 

ثامناً- سعيه لإنهاء الحرب الداخلية في لبنان

أدرك الإمام الصدر أن إنهاء الحرب في لبنان يتطلب قراراً عربياً مشتركا. وأن هذا القرار يجب أن يسبقه وفاق وطني.

فانتقل الإمام الصدر إلى دمشق بتاريخ 23/8/76 ومنها انتقل إلى القاهرة بتاريخ 2/9/76، عاملا على تنقية الاجواء بين البلدين وتوحيد موقفيهما من حرب لبنان من أجل إنهائها . واستمر لغاية 13/10/76 متنقلا بين هذين البلدين وبين السعودية والكويت ومتصلا برئيس الجمهورية اللبنانية الجديد وبالمقاومة الفلسطينية ، ساعياً مع الملوك والرؤساء والمسؤولين العرب لتحقيق تضامن عربي يُنهي حرب لبنان. وأثمرت هذه المساعي مع مساعي  مسؤولين عرب وانتهت بانعقاد مؤتمر قمة الرياض بتاريخ 16/10/76 الذي تلاه مؤتمر قمة القاهرة بتاريخ 25/10/76، وفيهما تقرر إنهاء الحرب اللبنانية وفرض ذلك بقوات الردع العربية.

مع دخول قوات الردع العربية ، دعا الإمام الصدر إلى الخروج من أجواء الحرب والالتفاف حول الشرعية اللبنانية والتمسك بوحدة لبنان الواحد وصيانة كيانه واستقلاله وإعادة بناء الوطن ومؤسساته. وأعلن بتاريخ 11/5/1977 ورقة عمل بمقترحات الاصلاحات السياسية والاجتماعية والمبادئ الاساسية لبناء لبنان الجديد متمسكا بصيغة التعايش بين طوائفه الدينية. ونادى بفضل الازمة اللبنانية عن أزمة الشرق الاوسط، وبوضع اتفاق بديل لإتفاق القاهرة في تنظيم العلاقات بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية .ودعا الحكم اللبناني لاتخاذ مواقف حازمه ممن يعرقلون مسيرة السلام والوفاق.

 

تاسعاً- سعيه لإنقاذ جنوب لبنان

لم تدخل قوات الردع العربية جنوب لبنان، ولم تتمكن السلطة اللبنانية من بسط سيادتها على هذه المنطقة ، فانتقل إليها صراع الفئات والقوى التي كانت تتصارع على الآراضي اللبنانية الاخرى قبل دخول القوات المذكورة.

واشتدت محنة جنوب لبنان وباتت هذه المنطقة مسرحاً لأحداث خطيرة تهدد مصيرها، فيما الإمام الصدر يتابع مساعيه مع المسؤولين والقيادات في لبنان، ورؤساء بعض الدول العربية ، ويرفع صوته في الخطابات والأحاديث الصحفية والمناسبات ، ابتداء من أواخر سنة 1976 وطيلة سنة 1977 وفي أوائل سنة 1978 محذراً من كارثة في جنوب لبنان ومن خطر تعريضه للاحتلال الإسرائيل ولمؤامرات التوطين، وداعياً لتحقيق السلاح في هذه المنطقة ولإعادة سلطة الدولة اللبنانية عليها. ولما حصل الاجتياح الإسرائيلي لهذه المنطقة بتاريخ 14/3/1978، واستقر الاحتلال الإسرائيلي في الشريط الحدودي من جنوب لبنان، قام الإمام الصدر بجولة جديدة على الدول العربية ، يعرض خلالها على الملوك والرؤساء العرب واقع الاوضاع في هذه المنطقة مطالباً بإبعاد لبنان عن ساحة الخلاف العربي وبعقد مؤتمر قمة عربية محدود يعالج قضية جنوب لبنان ويعمل على إنقاذه.

وبعد أن زار لهذه الغاية سوريا والاردن والسعودية والجزائر، انتقل إلى ليبيا بناء على إشارة من الرئيس الجزائري بومدين بتاريخ 25/8/1978.

 

 - اخفاؤه في ليبيا

          وصل الامام الصدر الى ليبيا بتاريخ25/8/1978 يرافقه فضيلة الشيخ محمد يعقوب والصحافي الاستاذ عباس بدر الدين ، في زيارة رسمية، وحلوا ضيوفاً على السلطة الليبية في "فندق الشاطئ" بطرابلس الغرب.

          وكان الامام الصدر قد أعلن قبل مغادرته لبنان، أنه مسافر إلى ليبيا من أجل عقد اجتماع مع العقيد معمر القذافي.

          أغفلت وسائل الاعلام الليبية أخبار وصول الامام الصدر إلى ليبيا ووقائع أيام زيارته لها، ولم تشر إلى أي لقاء بينه وبين العقيد القذافي أو أي من المسؤولين الليبيين الآخرين. وانقطع اتصاله بالعالم خارج ليبيا، خلاف عادته في أسفاره حيث كان يُكثر من اتصالاته الهاتفية يومياً بأركان المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان وبعائلته.

          شوهد في ليبيا مع رفيقيه ، لآخر مرة ، ظهر يوم 31/8/1978.

          بعد أن انقطعت أخباره مع رفيقيه، وأثيرت ضجة عالمية حول اختفاءه معهما، أعلنت السلطة الليبية بتاريخ 18/9/1978 أنهم سافروا من طرابلس الغرب مساء يوم 31/8/1978 إلى ايطاليا على متن طائرة "أليطاليا".

          وجدت حقائبه مع حقائب فضيلة الشيخ محمد يعقوب في فندق "هوليداي ان" في روما.

          أجرى القضاء الايطالي تحقيقاً واسعاً في القضية انتهى بقرار اتخذه المدعي العام الاستئنافي في روما بتاريخ 12/6/79 بحفظ القضية بعد أن ثبت أن الامام الصدر ورفيقيه لم يدخلوا الأراضي الايطالية.

          وتضمنت مطالعة نائب المدعي العام الايطالي المؤرخة في 19/5/79 الجزم بأنهم لم يغادروا ليبيا.

          أبلغت الحكومة الايطالية رسمياً، كلاً من الحكومة  اللبنانية والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في  لبنان، وحكومة الجمهورية العربية السورية، وحكومة الجمهورية الاسلامية الايرانية، أن الامام الصدر ورفيقيه لم يدخلوا الاراضي الايطالية ولم  يمروا بها "ترانزيت".

          أوفدت الحكومة اللبنانية بعثة أمنية إلى ليبيا وايطاليا، لاستجلاء القضية فرفضت السلطة الليبية السماح لها بدخول ليبيا، فاقتصرت مهمتها على ايطاليا حيث تمكنت من إجراء تحقيقات دقيقة توصلت بنتيجتها إلى التثبت من ان الامام الصدر ورفيقيه لم يصلوا إلى روما وأنهم لم يغادروا ليبيا في الموعد والطائرة اللذين حددتهما السلطة الليبية في بيانها الرسمي.

          أعلن المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ، في بيانات عدة ، وخاصة في مؤتمرين صحفيين عقدهما نائب رئيس هذا المجلس في بيروت بتاريخ 31/8/79 و 10/4/1980 مسؤولية العقيد القذافي شخصياً عن إخفاء الامام الصدر ورفيقيه، كما أعلنت هذه المسؤولية أيضاً منظمة التحرير الفلسطينية في مقال افتتاحي في صحيفتها المركزية "فلسطين الثورة - العدد 949 تاريخ 11/12/1979".

          وأعلن أيضاً نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، أن ملوكاً ورؤساء عرب أبلغوه وأبلغوا ممثلي المجلس مسؤولية العقيد القذافي عن هذا الإخفاء.

Copyrights © 2000 - 2004 Amal-movement.net , All rights reserved.